الشيخ محمد الصادقي

184

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ولأن « قريب » مشتركة بين الذكورة والأنوثة ، ومن المستفاد من هذه الآية واجب الإصلاح في الأرض ومحرم الإفساد فيها ولا سيما بعد إصلاحها ، وترى إذا كانت رحمة اللّه قريبا من المحسنين ، فهي إذا بعيدة عن المسيئين وهم يعيشون رحمة اللّه طول حياتهم ، بل وقد تربو لهم على المحسنين ؟ . هنا « رَحْمَةِ اللَّهِ » هي الرحيمية الخاصة بالمؤمنين ، وليست الرحمات الدنيوية الزائدة البائدة للمسيئين ، هي من الرحيمية ، بل هي من الرحمانية التي تتبدل عندهم زحمة ونقمة قضية الابتلاء بها فالسقوط في هوّات الحبوط والهبوط . فالمصلحون في الأرض ، الداعون ربهم خوفا وطمعا ، هم من المحسنين الذين تكون رحمة اللّه لهم قريبا ، فهي من غيرهم بعيد قد تصلهم لتصلحهم ، وإلّا فهي لهم مفسدة أكثر مما فسدوا . وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 57 ) . صيغة « إن ربكم . . » حملت بيانا لربوبية المبدء ، وهذه تحمل من ربوبية المعاد ، فبينهما ربوبية التشريع بين المبدء والمعاد ، و « هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ » الحاملة لرحمة من اللّه « بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ » الغزيرة الهاطلة الودق « حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ » : حملت « سحابا » : تسحب من أبخرة المياه الأرضية « سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ » واللّام هنا تعني الإختصاص الامتصاص ، حيث « إلى » لا تفيد ذلك الإختصاص « فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ » المطر بقدر « فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ » التي يحتاجها الإنسان من معدن ونبات وحيوان ، بل والإنسان هو أيضا من هذه الثمرات : « وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً » ( 1 : 71 ) ، كافلة لحاجاته ، حاملة لحاجياته « كذلك » الإخراج لموتى البلاد بميتات المياه وميتات البذور : « نُخْرِجُ الْمَوْتى » في البلاد وهو أهون عليه ، إذ يدخل الأرواح الحية الأبدان الميتة بعد ما تنشى أمثالها .